حديث الشارع: المجنون والمستقيل

صبر تمام سلام هو مفتاح الفرج لنجيب ميقاتي، الذي تحول من رئيس مسؤول إلى رئيس لا يخضع للمساءلة.

إنه المستفيد من صبر بك المصيطبة الذي لا ينفد. فهو ما زال في السرايا يأمر فيطاع. يوقّع على ما يقرر هو. ويحتج بالاستقالة عندما يرفض التوقيع على ما يقرره الآخرون من شركائه في مجلس الوزراء.

اثنان في القانون لا يتحملان مسؤولية أفعالهم: المجنون بسبب جنونه، وميقاتي بسبب استقالته.

بصراحة، لقد طال صبر اللبنانيين على صبرك يا تمام بك. ولم يعد يعنيهم من يدخل السرايا، أنت أو أحد آخر، المهم أن يخرج منها نجيب ميقاتي. فربما يخرج معه تعطيل مصالح الناس، ومخاطر انهيار الاقتصاد، واستفحال افلاس الشركات والمؤسسات، وبالتالي، انتشار البطالة، التي بفضل انتشارها انتشرت السرقات وجرائم القتل والخطف، وكل ما يسيء الى استقرار الوطن وأمن المواطن.

لقد تعب اللبنانيون منكما مكَّلفاً ومصرِّفاً.

«شوارعي»

Advertisements

ميقاتي: فخامة رئيس تصريف الاعمال

كتب المحرر السياسي:

نجيب ميقاتي

نجيب ميقاتي

الفراغ يعم لبنان… فهو يشمل، حتى الآن، الفنادق والمحال التجارية وجيوب المواطنين… ويصعد الى مؤسسات الدولة، من مديرية قوى الأمن الداخلي، الى المجلس النيابي، الى مجلس الوزراء… وعدواه تهدد بالانتقال الى رئاسة الجمهورية.

الممارسات السياسية لا تبشر بالخروج من هذا المرض العضال الذي يضرب لبنان دولة وشعباً.

لا حكومة مهما طال صبر الرئيس المكلف تمام سلام. ولا قانون للانتخابات، ولا جلسات تشريعية لمجلس النواب. ولا قرارات لمجلس الوزراء. ولا انتخابات لرئاسة الجمهورية… ولا يبقى للدولة اللبنانية سوى أن تسير برعاية الله… أو غضبه.

وبقدر ما يصيب لبنان من شرور الفراغ، يحجز نجيب ميقاتي لنفسه، بالاضافة الى منصب رئيس حكومة تصريف الأعمال، منصب فخامة رئيس تصريف الأعمال أيضاً.

بعد أقل من ربع قرن قد تساعد الظروف ميقاتي ليرد الرجل للعماد عون، الذي استولى أواخر الثمانينيات على الموقع السني في رئاسة الحكومة، ليستولي بدوره على الموقع الماروني في رئاسة الجمهورية.

هذا السيناريو هو الاحتمال الأقرب، مع استحالة التوافق على رئيس جديد، أو التمديد للرئيس الحالي.

وعلى هامش تقدم ظاهرة الفراغ، تجري في هذه الأيام محاولات لمصالحات سياسية محكومة بالفشل، لأن الجميع يخفي خناجره للطعن بظهور الآخرين.

لدى “الكفاح العربي” الكثير من المعلومات عن اتصالات، أراد أصحابها ان تبقى سرية.

أغلب هذه الاتصالات يجريها حلفاء قدامى لدمشق بحثاً عن عودة، غير معلنة، الى التحالف.

وليد جنبلاط بعث بتعهدات إلتزام الصمت من الأحداث السورية كمرحلة أولية. وكان الرد السوري إثبات حسن النية باشتراط رضى الجنرال عون عن جنبلاط. وهذا ما يجري الاعداد له عبر المفاوضات الدؤوبة بين الحزب التقدمي والتيار الوطني الحر.

وفي الاتجاه نفسه يتحرك نجيب ميقاتي محاولاً إعادة الحرارة مع قصر المهاجرين، عبر العلاقات التي تربط عزمي (ابن أخ الميقاتي) مع رامي مخلوف (ابن خال الأسد).

وتقول المعلومات أن سوريا ترحب بعودة العلاقات مع الشخصيتين اللبنانيتين، لكنها غير مستعجلة وأنها لن ترد بالإيجاب إلا بشروط، يحتاج ميقاتي وجنبلاط، الى ظروف  سياسية مناسبة لتنفيذها.

رغم العوائق، غير القابلة للإزالة، ما زال يتطلع العماد عون الى منصب الرئاسة الأولى. وهو يأمل أن يؤدي تطور الأوضاع في سوريا، قبل موعد الاستحقاق الرئاسي، الى امكانية اجراء انتخابات رئاسية يكون السبّاق في سباقها.

ومن أجل هذا نجد أن التيار العوني مستنفراً في عرض مبادرات المصالحة والتفاهم. مستفيداً من هامش الحرية الذي أعطي له من دمشق وحزب الله، طالما أن ذلك يساعد على فتح الطريق البرتقالي الى بعبدا، إذا سنحت التطورات الإقليمية بإزاحة العوائق الإسمنتية، التي تحول دون الانتخابات الرئاسية.

من حق الجنرال أن يسلك كل الطرق لتحقيق حلمه القديم. لكن التفاهم الذي عقده مع حزب الله، سيشكل فشلاً مؤكداً في عقد تفاهم مع تيار المستقبل. وإذا كان الطريق الى حزب الكتائب يحتاج الى “تكويعات” سياسية بسيطة، فإن “التكويعات” في الطريق الى القوات اللبنانية ستكون حادة ومهلكة.

يدرك الجنرال أن رغبته الجامحة للقب فخامة الرئيس محكومة بتنازلات حددها حزب الله وسوريا، ولا يمكنه تجاوزها. وهذا يعني أن مبادراته التفاوضية مع قيادات 14 آذار لن تصل الى مكان، وأنها مجرد محاولات لزراعة ثقة في أرض لا تصلح لزراعة “البرتقال”.

إذاً، فجدية الجنرال في السعي الى مصالحات، لن تصل الى نتائج جدية. وهذا يعني أن الفراغ اللبناني سيواصل انتشاره. وأن فرصة نجيب ميقاتي في انتزاع موقت للقب صاحب الفخامة من الطائفة المارونية لا يزال حلماً قابلاً للتحقيق. إلا إذا قلب الطاولة الرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلف تمام سلام… وشكلا حكومة أمر واقع… ولو أدى ذلك الى وقوع البلاد في شر يتطاير شراره في كل اتجاه.

والسؤال المتروكة الإجابة عنه لتطور الأحداث في سوريا: من يحمل في العام 2014 لقب صاحب الفخامة؟:

–       ميشال سليمان بتمديد يحتاج الى معجزة التوافق المستحيل؟.

–       ميشال عون الساعي الى حلم يحتاج الى مفسر للأحلام؟.

–       نجيب ميقاتي صاحب الحظ الذي لا ينام؟.

–       تمام سلام الخائف من الوقوع في حكومة الأمر الواقع؟.

بين الأربعة يبدو أن “فريق الفراغ” هو الأوفر فرصة… وأن ميقاتي هو الأوفر حظاً.

تمام سلام سجين الصبر

لا رغبة عنده في الإعتذار … ولا قدرة لديه على التأليف.

هذا هو حال الرئيس المكلّف تمام سلام.

الرجل يحاول بالصبر أن لا يدخل نادي الرؤساء من باب الفشل الذي دخله من قبله الرئيس الراحل أمين الحافظ.  وبصبر المراهنين على نفاد صبره، فلن يُسمح له بدخول النادي كرئيس فعلي لمجلس وزاري حقيقي.

الصراع المحتدم، بين شروط من رشّحه، وشروط من ناور بتأييد ترشيحه، يضيّق فسحة الأمل بتشكيل حكومة تنقل الرئيس المكلّف من قصر المصيطبة إلى قصر السرايا.

لقد تأكد أن تفويضه بالتأليف، الذي كاد يبلغ إجماع النواب، كان سببه عجز فريق 8 آذار عن ترشيح شخصية من أركانه، ففضّل اختيار تمام سلام متحاشياً هزيمة الاستشارات النيابية، بعد انقلاب جنبلاط وميقاتي على انقلابهما الأول ضد سعد الحريري.

القابلون قسراً، أو على مضض، بتكليف تمام سلام، تفرّغوا لوضع الأفخاخ التي تبقي على الفراغ الحكومي، الذي يطيل في عمر حكومة تصريف الأعمال المحكومة بأغلبيتها من قبل وزرائهم.

ونصب الأفخاخ في لبنان عملية سهلة، طالما أن الدفاع عن أي شروط، سواء كانت منطقية أو غير منطقية، لها جمهورها المؤيد “على العمياني”.

لقد طرح تمام سلام فكرة حكومة المصلحة الوطنية.  وعرض أن يكون أعضاؤها من سياسيي المنطقة الرمادية.  أي من الذين لا تصبغهم الألوان السياسية الفاقعة.  وأيده بذلك فريق 14 آذار وأعلن زهده الموقت بالحكم، مسهّلاً إنقاذ السلطة التنفيذية من فراغ السرايا.

لكن “حزب الله”، الذي غالباً ما كان يؤكد زهده في دخول الحكومات، تراجع عن ذلك مشترطاً أن “لا حكومة من دونه”، متجاهلاً أن حكومة نجيب ميقاتي تشكّلت بلا تيار المستقبل، وبلا الكتائب، وبلا القوات اللبنانية.  فكيف إذاً قامت “حكومة من دونهم” ولا تقوم “حكومة من دونه”؟

ومن الشروط التي تزيد عقد التأليف بلّة، إصرار التيار العوني على التمسّك بوزارتي الطاقة والاتصالات، وبوزيريهما، مع الإمساك بـ”الثلث المعطل”.  وهذا يعني أن الحكومة، إذا تشكّلت بشروط عون و”حزب الله”، فلن تستطيع أن تحكم.  فإن لم يعطّلها “الثلث المعطّل”، فسيعطّلها الخلاف حول بند ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة في البيان الوزاري.

على ضوء هذا الوضع، هل يدرك تمام سلام أن صبره لن يحل استعصاءات الشروط المعطّلة للتأليف؟  حيث لا هو قادر على تشكيل حكومة الأمر الواقع، ولا فريق 8 آذار يقبل بحكومة لا يتحكّم بقراراتها.

يبقى أن يدرك “سجين الصبر” … أن للصبر حدوداً قد تجاوزها وأن الوضع المتأزم والمتردي لم يعد يطيق الصبر على صبره.

سامر الحسيني