في ذكراه … نتذكر

walidفي ستينيات القرن الماضي، جمعتنا جامعة بيروت العربية.

الزمان والمكان كانا للعروبة وجمال عبد الناصر.

هناك عرفت رفيق الحريري.

قومي عربي لا يتردد ولا يهدأ.

المسافة بيننا هامشية… وهي المسافة المتقاربة بين الناصري والقومي العربي.

وافترقنا لنلتقي مرة أخرى في جنيف ولوزان.

كان مثقلاً بهموم الحرب الأهلية اللبنانية. ومتحركاً بين فريقي المستحيل والمستحيل، بحثاً عن حل يعيد إلى لبنان وحدته وإنسانيته.

لم ينجح … لكنه لم يتراجع. وبقي يطارد المستحيلين إلى أن انتصر عليهما في الطائف.

رفع الركام … وأعاد إعمار البلد والأمل.

كان يعلم أنه بذلك يدخل دائرة الخطر والمخاطر.

كان يعلم أن البناء عدوّه الدمار. والحياة عدوّها الموت. والحب عدوّه الكراهية. والتسامح عدوّه الحقد. والإعتدال عدوّه التطرف. والضوء عدوّه العتمة.

مع ذلك، مارس البناء. وأسس للحياة. ودعا إلى الحب. وأدمن التسامح. وتمسّك بالإعتدال. وفتح نوافذ لبنان للشمس والضوء.

رسم بيروت عروساً. وأخرجها من وسط الركام، فإذا بها مدينة تضجّ بالنور والفرح والناس.

بقي لديه الكثير من الأحلام، قبل أن تستيقظ الكوابيس، ويلتم شمل الأعداء.

تضامن الدمار والموت والكراهية والحقد والتطرف والعتمة … وشكّلوا سوية متفجّرة هائلة كمنت لقلبه في قلب بيروت.

في لحظة إرهابية، أرهبت لبنان والمنطقة، تمزّق قلب رفيق الحريري … لكن بعد أن أودع نبضاته في قلب بيروت، لتستمر مدينته ومعشوقته بالحياة.

ليست مصادفة أن يقتلوه في يوم الحب. لقد تعمّدوا اغتيال الاثنين معاً.

يومها إعتقد الكثيرون أن لبنان يساق إلى العدم. إلا أن القضاء، الذي لا يُرَد، أراد الله اللطف به. وشيئاً فشيئاً، استعاد رفيق الحريري، رغم الغياب، حلمه بلبنان السيد الحر المستقل. واستعاد طريق البناء والإعتدال. فسعد الحريري، الذي أرغمته المأساة على دخول السياسة، إفتتح المدرسة نفسها.

ذات المنهج. وإن كانت الظروف أصعب والعقبات أكبر. فلبنان اليوم تتفوق فيه الغريزة المذهبية على سائر العرائز البشرية والحيوانية.

اليوم، يشكل اللبنانيون شعباً إفتراضياً. ويشكل التعصب الطائفي إلغاء للعقل، مما أدى إلى إلغاء التعقّل. وبذلك أصبح الإعتدال عبئاً على المعتدلين.

لقد سبب إعتدال سعد لسعد مشاكل محلية وخارجية، قبل بنتائجها سعياً منه إلى إيجاد لغة سياسية لبنانية واحدة، تحل محل اللغات السياسية المتنافرة والمتعددة … وجميعها ترجع إلى اللغة الأم، أي “لغة الشارع”.

إذاً، بسعد مازال رفيق الحريري هنا. وفي ذكراه الـ13 نتذكر أنه أراد أن يكون مسجد محمد الأمين مثواه الأخير. فكان المسجد آخر إعماره، وآخر جسر يبنيه بين بيروت والله.

وليد الحسيني

كما النار … الخلافات تحت الرماد

walidالإستقرار في لبنان حالة عرضية. يعبر فوق رؤوسنا كغيمة صيف، سرعان ما تتبدد. ويستحضره السياسيون، تماماً كما يستحضر المشعوذون الأرواح من عالم الموت.

لا يكاد يظهر حتى يختفي. هو مجبر على تجرّع سموم خلافات المصالح وصراعات المذاهب. وكلما تجاوز خلافاً وتلافى صراعاً، عاجلته القيادات بما هو أشد فتكاً بالعيش المشترك، وأسرع تفكيكاً للوحدة الوطنية.

ترى، هل بمقدور وطن له أقدام عدة، وكل قدم ينطلق في اتجاه، أن يتابع طريقه من دون أن يتمزق؟

إن ما جرى بين بعبدا وعين التينة كاد أن يؤدي إلى الانفجار الكبير.

يبدو أننا تعودنا تجديد سياراتنا وبدلنا وأحذيتنا … وحروبنا الأهلية.

هذه الحروب التي إذا لم تتسبب بقتل بعضنا بعضاً، فعلى الأقل تتسبب بقتل الأمل في قيام وطن واحد، بدل مجموعة أوطان متقاتلة، كانت قبل هذا الزمن، مجموعة مذاهب متعايشة.

لقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية، هدير “بوسطة عين الرمانة”.

ثمة من يزعم أنه رآها في الحدث وميرنا الشالوحي. وثمة من قال أنها كانت تتنقل بين قرى البترون بحثاً عن “بلطجية”.

من الطبيعي أن يختلف اللبنانيون على مكانها وعلى من يقودها. ولولا ليبرمان (وزير الدفاع الإسرائيلي) لكانت “بوسطة عين الرمانة” مستمرة في مطاردة الاستقرار اللبناني.

رغم أننا ضد التطبيع، فلا بد أن نشكر العدو على مساهمته في إصلاح ذات البين ما بين بعبدا وعين التينة.

لا شك في أن الخطر الآتي، أخطر من أقدمية الضباط وتوقيع وزير المال. ونتائجه أشد إيلاماً من لسان جبران باسيل … وبذاءات بعض يافطات قلة الأدب … و”موتوسيكلات” الإستفزاز.

على أي حال، نجحت مكالمة عون – بري في رفع نفايات الخلاف من الشارع المحقون بالغضب. إلا أن أدب المجاملة، لا يعني أن جسور الود قد امتدت بين بعبدا وعين التينة.

صحيح أن الرئيسين قد تجرّعا المهدئات الوطنية، إلا أن العقد لم تجد بعد من يحلها. وإذا كان سعد الحريري هو أول من أوصل الحرارة إلى هاتفي عون وبري، فإن المهمة الأصعب هي في إزالة آثار عدوان باسيل وردات الفعل التي ردّتنا إلى أرذل الأخلاق.

هي مهمة أقصى ما يمكن أن تحققه، الوصول إلى “ربط النزاع” بين “التيار الحر” و”حركة أمل”. فمن المؤكد أن ما مضى لم يمضِ. وكما النار، فإن الخلافات لاتزال تحت الرماد.

وليد الحسيني

الدستور الهيروغليفي

walidالأعرج لا يعلِّم السوي المشي. وعليه فإن ما نسمعه من دفاعات عن الدستور لن تعيد له الاحترام المفقود.

إن الخلافات السياسية في لبنان جعلتنا نعاني من حرمان الإستقرار، أكثر مما تعانيه عكار من حرمان التنمية.

وأحدث مسلسل الخلافات اللبنانية، خلاف عون وبري على تفسير الدستور. فالخلاف القائم هو إستحضار طارئ ونادر لدستور غائب. يتم إلباسه “طاقية الإخفاء” كلما كانت المحاصصات بالرضى والتراضي. ولا يظهر إلا عند حاجة الزعامات إلى شاهد دفاع للمحاججة في أي نزاع حول الصلاحيات ومناطق النفوذ.

ودائماً تتحوّل مواد الدستور إلى مواد سجالية مبهمة، كأنها كتبت باللغة الهيروغليفية، لا العربية.

المصيبة ليست في تغييب الدستور فقط. فالمصائب اللبنانية لا تحصى.

منها:

الديمقراطية التي تحولت إلى حفلة تنكرية، حيث خلف القناع الديمقراطي، إقتناع بأن المذهبية هي الوجه الحقيقي لأصحاب الأقنعة.

الحكومة، وهي منذ زمن معتقلة في “سجن التوافق”. لا يمرّ من قراراتها إلا ما يسمح به غربال الخلافات في مجلس وزاري يضم كل الإتجاهات المتعاكسة والكامنة على أي كوع.

أما الطائفية، فهي المرض العضال المتسبب بكل مصائب لبنان. بما في ذلك أزمة النفايات الخالدة … وبواخر الكهرباء الغارقة، قبل أن تبحر، بين مد هذا الفريق وجزر ذاك.

ولا بد من التوسع في الحديث عن الطائفية، لأنها كما قلنا سبب كل علة.

يقال مثلاً أن الإنتخابات المقبلة ستنقذ لبنان، وأن وجوهاً جديدة ستبعث دماً جديداً في المجلس النيابي.

حتى لو صدقت “النسبية” وفاز الوجه الجديد، فإنه لن يختلف عن الوجه القديم. فالصبغة “المدنية” لا تدوم طويلاً عند إستعار نيران المذهبيات. وقبل كل هذا، فإن الناخب اللبناني عندما يختار لائحته الانتخابية، يختارها بمعيار مذهبي متعصّب. فشعب لبنان واحد من شعوب نادرة تحكمها “جيوش السماء”.

أغلبية شعبنا مشدود إلى الشعبية المذهبية. ولهذا لم يعد بالإمكان التمييز بين رجل الدين والسياسي.

أكثر الساسة في لبنان يقلّدون رجال الدين … وأغلب رجال الدين ساسة.

لا تمر قوانين خارج إرادتهم. ولا تصح محاصصة إذا لم تخرج من تحت أرديتهم. ولا تستقيم سياسة خارجية إذا لم تحظ بمسحتهم المباركة.

الدولة، بكامل مؤسساتها، تتجوّل فيها أشباح “معممة” و”مقلنسة”، حتى لو ارتدت البدلة “السينييه” وربطة العنق.

لقد تحوّلت الديانات والمذاهب من لغة روحية وتعبدية، إلى لغة سياسية، بقدر ما يجيد السياسي التحدث بها، يجيد الوصول إلى المناصب ومراكز النفوذ.

إن البلد اليوم يعيش حرباً أهلية مموهة. فبدل أن تقام المتاريس في الشوارع، ها هي تقام داخل مجلس الوزراء، وها هي أكياس الرمل ترتفع بين بعبدا وعين التينة. وبدل أن يخرج الرصاص من أفواه البنادق، ها هو يطلق بغزارة من أفواه السياسيين والإعلاميين.

وقبل أن يتأكد العالم من أن لبنان كذبة ديمقراطية، يتوجّب على القوى السياسية “العظمى” أن تقتنع بشيء لها وبشيء للوطن. وإلا فلن تحصل على شيء … ولن يبقى لها وطن.

يكفي نفخاً بالمذهبية لتحقيق بعض الإنتفاخ.

تواضعوا، وخذوا بقول الشهيد رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”. ولا تستمروا بأفعالكم التي توحي بأن “لا وطن أكبر منكم”.

وليد الحسيني

المعتدل … والضروري

walidيسكت اللبنانيون عن حقوقهم كما الشيطان الأخرس. في حين أن للتطرف والطائفية والفساد و”التجبر المسلح” شياطينه القادرة على الصراخ، حتى من الأفواه المغلقة … فكيف إذا كانت أفواهاً طليقة بلا حساب أو محاسب.

كوارث لبنان لا تحلها إضرابات مطلبية ضيّقة ومتفرقة، سرعان ما يتم تفريقها بوعود عاجزة.

كوارث لبنان الكبرى سلسلة، هي بالتأكيد غير سلسلة الرتب والرواتب، التي شملت إدارات وتجاهلت أخرى.

سلسلة الكوارث الوطنية تتكون من مجموعة أخطار.

خطر إفلاس الدولة. خطر الإرهاب. خطر الفساد، الذي لم يترك من المال العام ما يسد جوع الشأن العام. خطر شرعية القوة الخارجة عن الشرعية. خطر الطائفية، التي قرأت الفاتحة على روح وحدة اللبنانيين.

كيف ومن ينقذ لبنان من هذه الأخطار؟

ندرك أن لا أحد يملك معجزات السيد المسيح. ولا أحد بيده عصا موسى. ولا أحد يمسك بالمقص الذهبي ليقص شريط افتتاح فرع للجنّة في لبنان.

وكما تناسلت الكوارث من رحم القيادات اللبنانية، فإن الحل في رحمة هذه القيادات للبنان واللبنانيين. وذلك بأن تتخلى عن التطرف، وتتحلى بالإعتدال الذي غاب عن الحياة السياسية، مع أنه المفتاح الوحيد لفتح أبواب الإنقاذ، ولإغلاق أبواب الجحيم المفتوحة على مصراعيها.

من حسن حظ سعد الحريري، الذي أرغمته مأساة اغتيال والده على احتراف السياسة، أن يمسك بمفتاح الاعتدال.

به فتح باب رئاسة الجمهورية الذي كان مغلقاً بإحكام. وبه ربط النزاع مع “حزب الله”. وبه ردم الحفر العميقة بين 8 و14 آذار.

لم يكترث بتراجع شعبيته بسبب اعتداله. ولم يتراجع أمام تأثيرات الاعتدال السلبية على علاقاته الخارجية.

راهن على العقل والتعقّل ومد اليد. وراهنوا على خسارته الرهان، وأنه لن يحصد سوى الغبار التي ستثار في وجهه.

ونجاحاً بعد آخر، تحوّل المعتدل إلى ضرورة، بعد أن تمكن من تكسير الأمواج العاتية، التي هدّدت باجتياح البلد أكثر من مرة.

هو ضرورة للتقارب بين زعامات تختلف على أي شيء … وغالباً على لا شيء.

هو ضرورة لبنانية، فغيره ينفخ في النار … وهو ينفخ عليها.

هو ضرورة إسلامية، تمنع الإرهاب، على الأقل في لبنان، من أيكون الناطق الرسمي بإسم الإسلام.

هو ضرورة لـ”حزب الله”، لأن اعتداله يستدعي من الحزب اللطف بالدولة وعلاقاتها العربية.

هو ضرورة، لكنه يحتاج بالضرورة الى اعتدال أكثر انتشاراً بين القيادات اللبنانية. فوحده لن يتمكن من إصلاح ما أفسده الدهر والهدر.

وليد الحسيني

فرقة الكورال

walidللعرب أعداء. أما الأصدقاء، إذا وجدوا، فهم ليسوا من فئة “الصديق وقت الضيق”.

قائمة الأعداء طويلة، وهي إلى مزيد.

في التفاصيل:

إكتشف كولومبوس أميركا … وأميركا إكتشفت إسرائيل فوقعت في حبها وحبائلها.

وأميركا نجحت في أن تمثل علينا دور الحامي … وأن تمارس على ثرواتنا دور الحرامي.

روسيا، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، أشاحت بنظرها كلياً عن دول أوروبا الشرقية، وركزت بأبصارها وأطماعها على بعض الدول العربية.

تركيا، حملت خنجرها العثماني العتيق … وتحيّنت فرص الطعن في الظهر العربي.

الاتحاد الأوروبي، يعطينا من طرف اللسان حلاوة، ويعطي إسرائيل من القلب الموقف والمال والسلاح. وإذا خطى خطوة نحونا، يخطي خطوات نحوها.

دول عدم الإنحياز، أصيبت بالصدأ، ونامت على صدى صوت عبد الناصر.

منظمة المؤتمر الإسلامي، لم تعد تعرف من الإسلام سوى أداء “صلاة الميت”.

أما إيران، فقد زادت في طنبور الغناء عداء، منذ أن برعت في إشعال النيران في الديار العربية.

ترتدي “قناع فلسطين” داعية العرب إلى الاندفاع خلفها نحو القدس. فهي تمسك بأكبرأحلامنا، وتتشدد في إزالة إسرائيل ومسحها من خريطة ما بين النهر والبحر.

في الوقت نفسه، تكشف إيران عن وجهها الإمبراطوري، فتصيب وعينا القومي بالهلع.

هي محتلة لجزر الإمارات. وطامعة في دولة البحرين. ومتدخلة حتى الثمالة في حروب سوريا والعراق واليمن. ومحرضة على السعودية. ومهيمنة على لبنان. ومتورطة في تكريس الإنشقاق بين غزة والضفة. ولا يزعجها الإرهاب في سيناء.

تشكل في العراق “حشداً” اختلط فيه “الشعبي” بالشيعي، فأشعل فتنة تهدد بقايا قوتنا العربية، المصابة أساساً بالوهن والتبعثر.

وفي اليمن لا يقاتل الحوثيون بطيور أبابيل. فثمة من يمدهم بالمال والسلاح والخبرة. ولا يمكن إلقاء هذا المدد على المَشجَب الإسرائيلي. على اعتبار أن التعاطف الإيراني المعلن مع الحوثية يخلع هذا المَشجَب من جذوره، لإيماننا الثابت بأن إيران لا يمكن أن تتلاقى مع المؤامرة الاسرائيلية في أي مكان وأي زمان.

أما المَشجَب الأميركي، الذي نعلّق عليه هو الآخر مصائبنا، فهو أيضاً مَشجَب مُخلّع، وبالكاد يحمل أزماته الداخلية ونكساته الخارجية.

إنطلاقاً من كل هذا، لا يبقى من رصيد الحوثيين سوى إيران، التي تزعم أن التدخل السعودي في اليمن حرب “وهابية” ضد الشيعة. وهكذا يتم صب الزيت على جمر المذهبية في الوطن العربي.

إن جرثومة المذهبية التي تنتشر محيطاً وخليجاً، هي أخطر من كل ما واجهناه من أخطار، منذ الاستيطان العثماني في كل الوطن العربي، إلى الاستيطان الصهيوني في كل فلسطين.

أخيراً، تخلى العرب منذ أزمنة بعيدة عن وهم استعادة جغرافيا الخلافة العربية، التي حكمت في قديم الزمان بلاداً باسم الإسلام. ونتمنى على إيران التخلي بدورها عن الطموح المستحيل بقيام إمبراطورية فارسية، أيضاً بإسم الإسلام. فذاك زمان مضى، وهذا زمن لن يأتي.

نتمنى أن نجنح معاً إلى السلم والاستقرار والأمان. وأن نتجه فعلاً إلى فلسطين … بالأفعال، لا بالأقوال. فقد قلنا وقلتم كثيراً … إلا أن فلسطين لا تحتاج إلى فرقة “كورال” … بل إلى فرق عسكرية.

وليد الحسيني

الستين المظلوم والنسبية الظالمة

walid

وليد  الحسيني

الأكيد الأكيد أن الراحل الكبير فؤاد شهاب، عندما سنَّ قانون الستين، لم يضع النواب المسيحيين في خرج المسلمين.

لقد وضع هذا القانون في عز سطوة المارونية السياسية، التي ما كانت ستسمح به لو أنه كان فعلاً يؤدي الى جرجرة نوابها للإلتحاق بعباءة السني والشيعي والدرزي.

ومع هذا نعيش اليوم حملة مسيحية شرسة على قانون الستين، وكأنه الشيطان الأكبر أو الحوت الإسلامي الذي يبتلع التمثيل المسيحي في مجلس النواب.

وفي كل مشاريع قوانين الانتخابات البديلة والمتداولة تغيب الملائكة، مفسحة للشياطين الحقيقية، لا الوهمية، لتملأ صناديق الإقتراع بالعصبيات المذهبية والطائفية والمناطقية.

جميع القوانين البديلة تعمل على شد العصب الطائفي والمناطقي عند التصويت. فكل فريق يريد أن يحصد المقاعد لنفسه. وبدل من أن نعمل على قانون وطني، يجري الاعداد لقانون يلغي الوطن لحساب الطائفة. وأي قانون للانتخابات يوضع تحت هواجس الأنانية المذهبية سيعرّض مستقبل لبنان الى انقسام مجتمعي لا يمكن الخلاص منه.

لقد وضع الرئيس فؤاد شهاب قانوناً وطنياً يحد من طغيان الاقطاع السياسي والعائلي والمالي. وفي ظله فاز نجاح واكيم وزاهر الخطيب وعبد المجيد الرافعي وعدنان الحكيم وجميل كبه ومعروف سعد وألبير منصور وعثمان الدنا ونصري معلوف وبيار دكاش وأوغست باخوس… وكثيرون غيرهم ممن لا يحسبون على الاقطاع السياسي والعائلي والمالي.

وفي زمن الستين شهد لبنان ازدهاراً اقتصادياً وتشريعياً. ولم تتأثر الديمقراطية والحريات كثيراً بنشاطات «المكتب الثاني» السيء الذكر.

ومن الظلم اتهام قانون الستين بأنه المسبب للحرب الأهلية الأخيرة، التي تراوحت أسبابها بين انتشار السلاح الفلسطيني بعد أيلول الأسود في الأردن، وبين الصراعات العربية للسيطرة على لبنان، ولا يجوز اغفال الدور الاسرائيلي في اندلاع هذه الحرب القذرة.

إن تاريخ قانون الستين يشرّف التشريع اللبناني. أما الحديث عن النسبية فهو خدعة بلهاء لم تمر على أكثر الدول ديمقراطية في العالم. فالنسبية التي يروج لها صيادو المقاعد النيابية في لبنان، رفضتها انكلترا وفرنسا والولايات المتحدة والهند وكندا. ولا نعتقد أننا في لبنان أكثر ديمقراطية من هذه الدول العريقة في ديمقراطيتها وعدالتها.

ومع ذلك، فإن العقل اللبناني الشاطر، أو المتشاطر، سيجد وسيلته للتحايل على القانون «المنصف». وسنجد يوم الامتحان النسبي أن القيادات الكبرى في هذا البلد الصغير سيلجأون الى تشكيل أكثر من لائحة في الدائرة الواحدة، بحيث يحصدون نواب النسبة الأعلى ونواب النسبة الأدنى.

لبنان لم يعد يحتمل اللعب بمقدراته. وتجميل قانون الستين هو الحل الأمثل. أما المبالغة بالرفض وتفضيل الفراغ التشريعي على اجراء انتخابات بقانون الستين، فهذه مغامرة خطيرة. كما أن بدعة الاستفتاء يترك أمرها لربيع الهبر… ولا تليق بالرئيس ميشال عون.

وليد الحسيني

 

وليد الحسيني يرد على حسن صبرا: تدني أخلاقي ومهني وراء اتهامات مختلقة

السيد حسن صبرا

مجلة الشراع

قمتم في عددكم الصادر بتاريخ 7 أيلول العام 2015 بنشر صورتي على الغلاف مع عنوان: “الصحفي وليد الحسيني نقل المتفجرات التي أسقطت طائرة لوكربي”.

لم ترد في العنوان حتى علامة إستفهام، مما يدل على تبنيكم لهذه التهمة المختلقة.

وترفعاً عن التدني الأخلاقي والمهني، أكتفي بشجب هذا الخبر المختلق، مع تأكيدي أنك تعرف جيداً تداعيات هذا الافتراء الذي يبدو واضحاً أن وراءه دوافع مشبوهة

غلاف الشراع

غلاف الشراع

سوداء.

لذا أطلب منكم نشر نص هذا الرد على الغلاف حيث وقع الضرر الأشد، وذلك عملاً بقانون المطبوعات، مع احتفاظي بكامل الحقوق.

وليد الحسيني

هوامش

«الماراتون» ديكتاتور يسجن مئات الآلاف من البيروتيين في منازلهم.

الإتفاق على إسم رئيس الجمهورية قبل الانتخاب… تماماً كتنفيذ حكم الإعدام بمتهم قبل المحاكمة.

يتم تفسير مواد الدستور اللبناني على قاعدة «كل يغني على ليلاه».

في لبنان دولة مفلسة تفرض الضرائب على شعب مفلس.

يمارس العرب الديمقراطية بشكل يجعلنا نترحم على الديكتاتورية.

نادراً ما يأكل الحيوان لحم فصيلته… لكن العرب يفعلون ذلك.

بعث الله بمحمد فقضى الإسلام على الجاهلية… وبعث حسن البنا بـ«الإخوان» فقضت الجاهلية على الإسلام.

العربي ذكي… لكنه يعيش في أمة غبية.

وليد الحسيني

عندما يتحوَّل الشعب الواحد إلى شعوب متعددة

walidالانقسام الذي وصلنا إليه، أخطر من التقسيم الذي تسعى إليه «الفوضى الخلاقة» بربيعها العربي وشرقها الأوسطي الجديد.

قد لا تنجح «الفوضى الخلاقة»، التي تجتاح المنطقة، في تقسيم دول الوطن العربي إلى دول إضافية، لكنها نجحت في تقسيم الشعب الواحد إلى شعوب متعددة. وهذا يعني أن الوحدة الجغرافية لكل دولة ليست أكثر من حلبة لصراعات دموية طويلة الأمد. وهذا يعني بدوره أننا سنعيش في دول فاشلة غير قادرة على الحكم، لأنها غير قادرة على توفير الاستقرار والأمن.

على ضوء تطورات العنف السائدة في دول عربية عدة، والمهيأة للإنتقال إلى ما تبقى، لن تبقى للجنسية دلالة وطنية. فدولنا أغلبها، ونخشى أن تكون جميعها، تنحو نحو دول الجنسيات المتعددة.

سني، سلفي، أصولي، شيعي علوي، قبطي، ماروني، آشوري، درزي، كردي، عربي، تركماني… وما قد يكون سقط سهواً.

هذه ليست مبالغة، فبداياتها تتسع شيئاً فشيئاً وبسرعة جنونية.

إذاً، لم نعد نحلم بالوحدة العربية، كما نادى بها جيلنا. فأقصى أحلامنا اليوم أن تحافظ أجيال الأبناء والأحفاد على تثبيت اتفاقية «سايكس ـ بيكو» الاستعمارية، التي قسمتنا وشوَّهتنا من المحيط إلى الخليج.

ها نحن نقبل قسراً بالقسمة الجغرافية القائمة الآن. وأملنا أن لا نحوّل هوية 22 دولة عربية إلى هويات تتوزعها الانتماءات المذهبية والعرقية.

نظن أن في أوطاننا الـ«22» ثمة وطنيين. هم بالتأكيد الأكثر عدداً، لكنهم، بالتأكيد أيضاً، الأكثر خوفاً وتهرباً من المسؤولية.

على هذه الأكثرية، الموصومة بالخوف والموصوفة بالصامتة، أن تتخلى عن صمتها وخوفها.

إن الابتعاد عن الشر لن ينقذ المبتعدين من شروره إذا ما عمَّ وانتشر.

لو أن التطرف وجد من يرد عنترياته، لما قدر لشعب أي دولة عربية أن يتحول الى شعوب متعددة ومن جنسيات عرقية ومذهبية متباعدة ومتخاصمة. فالوطن السائب يؤدي إلى الخراب، وهذا ما حصل. فإلى متى نترك وطننا العربي ينجرف نحو التحلل والتفكك؟.

لا يمكن أن يعادي انسان الديمقراطية. أو يعترض على الحرية. لكن أيضاً لا يمكن لإنسان أن يقبل بديمقراطية العنف. وبحرية السلاح الذي يحلل دم المختلف بالرأي والعقيدة!.

لا يمكن القبول بأن تتحوَّل الأهداف المشروعة إلى أهداف انتحارية!. ففي كل بلد من بلدان «الربيع العربي» نشاهد الديمقراطية والحرية والعدالة ترتدي الأحزمة الناسفة وتنفجر في ساحات ثورات، كنا نعتقد أنها ستتحول الى مزارع تتفتح فيها ورود الديمقراطيات والحريات… والأحلام الوردية.

وليد الحسيني

«العميل» و«الشيطان»

walidإن ما يجري في المنطقة هو مسرح دموي يقتل فيه الممثلون جمهورهم. خصوصاً وأن «الربيع العربي» أشرف على الموت المبكر، وهو يحتاج الى عمليات جراحية. والجراحة النازفة تحتاج الى متبرعين بالدم. والدم المتوافر والوفير هو دم الأبرياء. وهكذا يتم انعاش هذا «الربيع الملعون» بمعارك قبلية في ليبيا واليمن. وبمعارك طائفية ومذهبية في العراق وسوريا والبحرين ولبنان. وبمعارك عرقية في السودان.

وإذا كانت همجية «الربيع العربي» تسلك طريقاً تصاعدياً، لا يمكن التنبؤ بما ينتظره في قمة مآسيه، فإننا في لبنان، الذي تهب عليه نسائم هذا الربيع الأعمى، تترتب علينا مسؤولية تاريخية لا بد من توليها بعقل يبدو أننا فقدناه، وبحكمة يبدو أننا لا نملكها منذ جريمة اغتيال رفيق الحريري.

في ذلك اليوم الوحشي، دخل لبنان سباق التمزق المجتمعي.

بدأنا السبق، بتحويلنا الوطن المزعوم الى مجرد «مأوى»، إذا شبع فيه «مذهب» وأشبع غرائزه، جاع آخر وهاجت شهواته.

«مأوى» لا يمكن أن تبنى علاقات بين ساكنيه طالما أن هذا في نظر الآخر عميل، والآخر في نظر هذا شيطان.

«مأوى» مقطّع بالنكايات.

أنت هنا؟… إذاً أنا هناك!.

نذهب الى حيث تقاطعون. ونؤمن بما تكفرون.

خلطتنا اللبنانية العجيبة تستطيع أن تحضر لأكثر من فتنة. والخطير أننا نستعين عليها بالله.

ولا أدري كيف سيحاسب الله جماعات آمنت به، وخالفت، مخطئة أو متعمدة، رسالته ورسوله.

لقد كان لبنان أول من اختار في الوطن العربي الديمقراطية والحداثة. لكنه اليوم ينزلق بعيداً عنهما. ويسمح لأفكار مغرورة أو متطرفة، أن تعصف بدولة القانون.

وسنجادل سواء من يدعو، ولو باطنياً إلى الدولة الإسلامية، أو من يدعو علناً لدولة الخلافة.

لن نجادل في الدين… لكننا سنجادل في فهم المرحلة البكر للإسلام.

في زمن الرسول كان القرآن هو مصدر التشريع. وكانت السنّة وسيلة لحل مشاكل المجتمع والناس. أي أنها كانت بمثابة قوانين تنظم العلاقات والخلافات البشرية والمجتمعية.

إذاً السنّة بمقياس، ذلك الزمن على زماننا هذا، هي قوانين وضعية وضعها الرسول الكريم وحكم بمقتضاها.

ترى ماذا نفعل اليوم إذا انقطع المطر؟.

هل نصلي صلاة الاستسقاء؟. أم نقوم بحفر الآبار وإقامة السدود وبناء محطات تحلية مياه البحر؟.

وإذا ضاقت الحال وحل الركود الاقتصادي، هل نكتفي بالدعاء الى الله لييسر ولا يعسر؟. أم نلجأ الى «الدول المانحة» وجذب الاستثمارات وتنشيط السياحة وتشجيع التصدير الزراعي والصناعي والتنقيب عن الثروات الطبيعية بأحدث ما ابتكرته التكنولوجيا من أجهزة وأدوات؟.

هل نتوكل ولا نعقلها؟.

هذا ما نفعله… ولهذا فلت الأمن والاقتصاد… ولهذا أصبح لبنان على مشارف الدخول في منظومة «أخوات كان».

وليد الحسيني